بمناسبة الكلام عن السيف و«البَعثُ بالسَيف» وعلاقة قادة الأديان بالسيف والعُنف والحروب، ربما يكون مُناسِباً التعليق على آيات العهد الجديد التي تربط بين يسوع المسيح والسيف.
أولاً ينبغي أن نؤكد أن الإنجيل (روايات حياة وموت وقيامة يسوع المسيح) لم يحتو مطلقاً على أيَّة إشارة أن يسوعَ امتلكَ سيفاً. كان يسوعُ نَجَّاراً في مدينة الناصرة الصغيرة على ضفاف بُحيرة طَبَرية، التي كان يُطلق عليها أيضاً بحر الجليل. لذلك دُعِيّ يسوع الناصريّ وفي الأغلب من هذه النسبة جاءت تسمية أتباعِه بالنَصارى. في سن الثلاثين قَرّر يسوع اعتزال العمل في النِجارة وقضى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته في الخدمة الدينية كمُعلِّم «رَبّاي». هذا لأنه كان مُهتماً مُنذ طفولته بالكتاب المقدس (التوراة والمزامير والكُتُب) وكان نذيراً في الهيكل لأنه كان البِكر وكانت الشريعة اليهودية تعتبر كُلَّ بكرِ فاتِحِ رَحِم نذيراً للرَب عليه أن يقضي أوقاتاً مُعينة من السنة للخدمة في الهيكل.
لم يمتَلِك يسوع سيفاً ولا تَدَرَّبَ على حمل السيوف. لم يكن تدريبه على أدوات القتال وإنما على أدوات النجارة مثل المنشار والشاكوش وغيرها. كان يسوع غالباً ما يصنعَ قوارباً وأثاثاً مُتواضِعاً لبيوت الصيادين الذين يجوبون بحر الجليل، و رُبما أدواتٍ زراعيةَ لفلاّحي الناصرة ورُبما حظائر لُرعاتِها. أما السيوف والجياد فلم يكن لديه بهم أية علاقة، حتى أنه عندما قَرّرَ قُربَ نهاية مُدّة خدمته أن يدخل أورشليم، اختار أن يدخُلها راكباً على أتانٍ (أي أنثى الحمار) يرافقها جحشٌ ابنُها وضع عليه ملابسه. حتى من الحيوان، اختار يسوع أن يُكرِم الإناث والأطفال مُبتعداً عن الجياد المُطهَمة والسيوف اللامعة التي كانت هي علامات القيادة والسيادة في ذلك العصر. لم يُرد يسوع أن يدخل أورشليم دخول الفاتحين للبلاد فهو لم يفتح البلاد ليؤسس مملكة أو إمبراطورية. كان معاصروه من اليهود يتمنون أن يدخل أورشليم فاتحاً مُحرِّراً إياها من قبضة الرومان، لكنه دخل دخولاً عادِيّاً مُتواضعاً. ولم يمض على هذا الدخول قرنان من الزمان حتى جثَت له الإمبراطورية الرومانية طائعةً وصار الإيمان به سيداً ومُخلِّصاً، هو الدين الرسمي للإمبراطورية.
أما الكلام عن السيف في العهد الجديد فجاء في ثلاث مواضع، سوف نقتبسها ونشير إليها بالتفصيل. في اثنين من هذه المواضع، كان الكلامُ مجازياً لا يشير إلى سيوف حقيقية من حديد وإنما استُخدِمَ فيهما السيف كاستعارة مكنية تشير إلى الفصل الحاسم، أو العقاب الصارِم. وهذا مفهوم فالسيف يُستخدَم في اللغة العربية بوصفِهِ الحاسم والحُسام والصارِم. أما الاستخدام الثالث فكان إشارة لسيوف حقيقية من حديد.
جئت لأُلقي سلاماً بل سيفاً
من العدد الثاني والثلاثين إلى العدد الثاني والأربعين من أصحاحه العاشر يروي متى عن يسوع أنه قال:
فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، 33وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 34«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. 35فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. 36وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ. 37مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، 38وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. 39مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.
من الواضح من السياق أن المسيح كان يتكلم هنا عن تَكلُفَة اتِّباعه، والتي كانت مُنذ البَدء وإلى يومنا هذا، من المُمكِن أن تُكلِّفَ الإنسان حياته. رُبما تُكلِّف البعض حياتهم الجسدية عندما يُقتلوا ويذبحوا من أجل إيمانهم بالمسيح، وربما تُكَلِّف البعض الآخر حياتهم الزوجية والأُسرية فيفصل الإيمان بالمسيح بين المؤمنين وبين أهلهم كما يفصل السيف. بالطبع فقد فَرَّق الإيمان بالمسيح بين إنسانٍ وأبيه وبين ابنة وأمها وكَنّة وحماتها. هذا نعرفه جيداً في بلادنا التي لا تعترف بحرية العقيدة. فكم من رجال ونساء نَبَذَتهًم عائلاتِهم لأنهم اعتنقوا ديناً غير دين الآباء والأجداد.
الاقتباس الثاني: هاتوهم واذبحوهم قُدّامي
الاقتباس الثاني وهو أيضاً اقتباسٌ مجازِيً جاء في فقرة من رواية لوقا للإنجيل في الأصحاح التاسع عشر وفي فقرة امتدت من العدد الحادي عشر للعدد السابع والعشرين. روى لوقاعن المسيح أنه قال:
وَإِذْ كَانُوا يَسْمَعُونَ هذَا عَادَ فَقَالَ مَثَلاً، لأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ أُورُشَلِيمَ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَتِيدٌ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْحَالِ.12فَقَالَ:«إِنْسَانٌ شَرِيفُ الْجِنْسِ ذَهَبَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ لِيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مُلْكًا وَيَرْجعَ. 13فَدَعَا عَشَرَةَ عَبِيدٍ لَهُ وَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ، وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ. 14وَأَمَّا أَهْلُ مَدِينَتِهِ فَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ، فَأَرْسَلُوا وَرَاءَهُ سَفَارَةً قَائِلِينَ: لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا.15وَلَمَّا رَجَعَ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمُلْكَ، أَمَرَ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ أُولئِكَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الْفِضَّةَ، لِيَعْرِفَ بِمَا تَاجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ. 16فَجَاءَ الأَوَّلُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، مَنَاكَ رَبحَ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ. 17فَقَالَ لَهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ! لأَنَّكَ كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ، فَلْيَكُنْ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى عَشْرِ مُدْنٍ. 18ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، مَنَاكَ عَمِلَ خَمْسَةَ أَمْنَاءٍ.19فَقَالَ لِهذَا أَيْضًا: وَكُنْ أَنْتَ عَلَى خَمْسِ مُدْنٍ.20ثُمَّ جَاءَ آخَرُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، هُوَذَا مَنَاكَ الَّذِي كَانَ عِنْدِي مَوْضُوعًا فِي مِنْدِيل، 21لأَنِّي كُنْتُ أَخَافُ مِنْكَ، إِذْ أَنْتَ إِنْسَانٌ صَارِمٌ، تَأْخُذُ مَا لَمْ تَضَعْ وَتَحْصُدُ مَا لَمْ تَزْرَعْ.22فَقَالَ لَهُ: مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ. عَرَفْتَ أَنِّي إِنْسَانٌ صَارِمٌ، آخُذُ مَا لَمْ أَضَعْ، وَأَحْصُدُ مَا لَمْ أَزْرَعْ، 23فَلِمَاذَا لَمْ تَضَعْ فِضَّتِي عَلَى مَائِدَةِ الصَّيَارِفَةِ، فَكُنْتُ مَتَى جِئْتُ أَسْتَوْفِيهَا مَعَ رِبًا؟24ثُمَّ قَالَ لِلْحَاضِرِينَ: خُذُوا مِنْهُ الْمَنَا وَأَعْطُوهُ لِلَّذِي عِنْدَهُ الْعَشَرَةُ الأَمْنَاءُ. 25فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَمْنَاءٍ!26لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ.27أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي».
أي قارئ للإنجيل سوف يلاحظ من الوًهلَة الأولى أن يسوع كان يستخدمُ أسلوبَ الأمثال في تعليمه. وكان هناك نوعان من الأمثال يستخدمهما. أولاً المثل التشبيهي القصير، كَأَن يقولَ مثلاً:
يشبه ملكوت السموات شبكة مطروحةً في البحر.
(للإشارة إلى اتِّساع ملكوت السموات بحيث يدخله من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان كما تدخل الشبكة المطروحة في البحر كل أنواع السمك). أو أن يقول:
يُشبِهُ ملكوت السموات خميرة قليلة أخذتها امرأة وخبَّأتها في ثلاث أكيال دقيق حتى اختمر الجميع.
(إشارةً إلى أن مملكة الله ليست كالممالك والإمبراطوريات الجسدانية، وإنما هي مُلك الله الروحيّ السِرّيّ على القلب، والذي يظهرُ في العلن في صورة تغيير الحياة والسلوك، مثلما تفعل الخميرة سراً في العجين فتجعله بعد مرور الوقت يختمر ويرتفع.
كان هناك أيضاً نوعٌ آخر من الأمثال التي كان المسيح يستخدمها وهي الأمثال القَصَصية. فكان يؤلف قصة يريد أن يقول من خلفها مغزى أو مفهوم روحي من الصعب على السامعين أن يفهموه إذا قاله لهم بصورة مُجَرَّدة. وهُناك أمثلة قصَصية كثيرة شهيرة في الإنجيل حتى أن شخصياتها قد اشتُهِرَت وكأنها شخصيات حقيقية بينما هي في واقع الأمر شخصيات قَصَصِيَّة مثل الابن الضال، والسامريّ الصالِح، والغني الغبي، وغيرها.
ينتمي الاقتباس الثاني الذي يرِدُ فيه ذكرُ السيف إلى طائفة الأمثال القَصَصِيّة. لذلك فهو يبدأ حرفياً هكذا: َإِذْ كَانُوا يَسْمَعُونَ هذَا عَادَ فَقَالَ مَثَلاً. إذاً فهو مثلٌ وليس قصة حقيقية. باختصار هو تصوير درامي لدينونة الله في اليوم الأخير. كما أنّه في الممالك الأرضية، هُناك عاقبة تقع على من يَتَمَرَّدون على سُلطان الملك، فإن في اليوم الأخير سوف تكون هُناك عاقبة على من لا يخضعون لسُلطان الله في حياتهم. أما ما كان يفعله الملوك في هذه الحقبة من التاريخ فكان القتل بالسيف كعقوبة للخيانة العُظمى. بالطبع سوف تكون العاقبة الروحية لمن يتمرودون على سلطان الله مختلفة، لكن الأمثلة دائماً ما تكون ظلاً للحقيقة وصورة مادية لحقائق روحية لا يستطيع الإنسان في حالته الجسدية الحالية أن يُدركها.
الاقتباس الثالث: من ليس له سيف فليبع ثوبه ويشتر سيفاً
كانت هذه المقولة في آخر لقاء يسوع بتلاميذه عندما تعشى معهم العشاء الأخير. وجاء في العدد الخامس والثلاثين من الفصل الثاني والعشرين من رواية لوقا للإنجيل. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
«حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ، هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟» فَقَالُوا: «لاَ». 36فَقَالَ لَهُمْ:«لكِنِ الآنَ، مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا. 37لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ». 38فَقَالُوا: «يَارَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ». فَقَالَ لَهُمْ:«يَكْفِي!».
في البداية يُذَكِّر يسوع تلاميذه بالتعليمات التي أوصاهم بها عندما أرسلهم من قبل في مهام دَعَوية. وهذه الوصايا ترد في الفصل التاسع من رواية لوقا هكذا: وَقَالَ لَهُمْ:
«لاَ تَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ: لاَ عَصًا وَلاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزًا وَلاَ فِضَّةً، وَلاَ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ ثَوْبَانِ. 4وَأَيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَهُنَاكَ أَقِيمُوا، وَمِنْ هُنَاكَ اخْرُجُوا. 5وَكُلُّ مَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَانْفُضُوا الْغُبَارَ أَيْضًا عَنْ أَرْجُلِكُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمْ». 6فَلَمَّا خَرَجُوا كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ يُبَشِّرُونَ وَيَشْفُونَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
وهو هنا يقول لهم: هل تذكرون أنني عندما أرسلتكم قلت لكم لا تحملوا شيئاً لا عصا ولا كيساً ولا خُبزاً ولا فضة ومن الواضح أن منعه لهم من حمل هذه الأشياء كان لجعل رسالتهم روحية خالصة خالية من أي تهديد بالقوة أو إغراء بالمال. لقد قال لهم ألا يحملوا سلاحاً ولا حتى عصا، لكي لا يكون هناك أي شُبهة تهديد أو إكراه كما لا يحملون فضة يؤلفون بها قلوب الناس، ولا حتى طعام يُغرونهم به. بل يأكلوا هم مما يقدمه لهم الناس. هُنا يبدو وكأن الأمور تغيَّرَت وهو يدعوهم للقتال، فيقول:
الآنَ، مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا. وأضاف: لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. بالتأكيد لم يفهموا ما كان يقوله في وقتها لكنهم فهموا أنه كان يقصد أنه سوف يتم القبض عليه ويُعامَل كمجرم ويُصلَب. هذا ما يقصده بقوله: «أُحصيّ مع أَثَمة». فقالوا له «يَارَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ». فَقَالَ لَهُمْ:«يَكْفِي!».
كان غريباً أن يقول لهما أن هذا يكفي. كيف يكفي سيفان وهُم ثلاثة عشر رجُلاً. وسوف يواجهون بالسلطات اليهودية ورُبما الرومانية؟! لكنهم رُبما ظنوا أنه سوف يستخدم قدراته المعجزية ويجعل من السيفين كافيان لهزيمة هذه السُلطات وتأسيس ملكوت الله الذي كانوا يظنون أنه مُلك الله الجسدي الأرضي على اليهودية وتطبيق الشريعة اليهودية كاملة غير منقوصة. كان هذا حُلمهم وأقرب ما في العصر الحاضر من هذا الحُلم هو حُلم الإخوان المسلمين والسلفيين بتأسيس دولة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية كاملة غير منقوصة.
وعندما نمضي في القراءة نجد الأحداث توالت هكذا بعد أن أخذوا السيفين ومضوا:
39وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَتَبِعَهُ أَيْضًا تَلاَمِيذُهُ. 40وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ:«صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ». 41وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى42قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ».43وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. 44وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. 45ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ. 46فَقَالَ لَهُمْ:«لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ». 47وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا جَمْعٌ، وَالَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، يَتَقَدَّمُهُمْ، فَدَنَا مِنْ يَسُوعَ لِيُقَبِّلَهُ. 48فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟»49فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ حَوْلَهُ مَايَكُونُ، قَالُوا:«يَارَبُّ، أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟»50وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. 51فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ:«دَعُوا إِلَى هذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا.
لما رأوا تلاميذ يسوع أنه سوف يتم القبض عليه سألوه: هل آن الأوان أن نحارب ونضرب بالسيف. في رواية لوقا التي نقرأ منها لا نقرأ رداً ليسوع على هذا السؤال ونقرأ أن واحداً منهم ضرب عبد رئيس الكهنة وقد كان مرافقاً للقوة التي جاءت للقبض على يسوع فقطع أذنه اليمنى، فما كان من يسوع إلا أنه أبرأ أذن ذلك الرجل. عجيبٌ! كيف أنت الذي أمرتنا أن ناتي بالسيوف؟ وكيف تُبرئ جروح الذين نضربهم بالسيف؟
في رواية متى للإنجيل نجد تفاصيل أكثر فنقرأ ما يلي:
51وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ.52فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! 53أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ 54فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟».
هُنا يظهر الهدف الذي من أجله طلب منهم أن يأتوا بالسيوف. لقد أراد أن يُعلِّمهم هذا الدرس. عندما أرسلهم وهو على الأرض أكّدَ عليهم ألا يحملوا عصاً أو سيفاً. وهو الآن قبل أن يمضي إلى الصليب أحَبّ بدرسٍ عمَليّ لا يخلوا من وسائل إيضاح (مثل السيفين) أن يغرس في أذهانهم هذا المبدأ الذي نراه يتكرر حولنا في كل مكان وفي كُل حٍقب التاريخ
رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!.
في الحرب لا يوجد مُنتصر ومهزوم فالكل مهزومون لكن الذي لم يُهزَم اليوم سوف يُهزم غداً. كل الغزاة الفاتحين ماتوا بسيوف غزاة آخرين أو بسيوف أبناء وطنهم الذين ينازعونهم على المُلك والسُلطة.
وبالفعل خرج تلاميذ المسيح ليحملوا رسالة قيامته إلى العالم القديم كله ولم يحملوا لا سيفاً ولا عصاً ولا مزوداً ولا طعاماً ولا فضة ولم يؤسسوا أي امبراطورية أو مملكة أو خلافة بل ماتوا كُلَّهم شهداء إما مصلوبين أو محروقين بالنار أو مقطوعة رؤوسهم لكن دماءهم ودماء الذين آمنوا بالمسيح بكلامهم سقت شجرة ملكوت الله التي صارت شجرةً عظيمة يأتي كل الناس من كل أمة وقبيلة ولسان ليتآووا فيها. يكفي ختاماً لهذا المقال أن نقول أن الكنيسة الأكبر في العالم والأسرع نمواً هي الكنيسة الصينية. التي لم يستطع الفكر الشيوعي الإلحادي إن يقضي عليها. بل كُلما كان يسجنون ويقتلون المؤمنين الصينيين كلما ازدادت الكنيسة عدداً تحت الأرض ثم خرجت الآن فوق الأرض. وأختتم هذا المقال بالاقتباس التالي عن المسيحية في الصين من موسوعة ويكيبيدا باللغة العربية: في تقرير لآسيا تايمز قالت أنّ خبراء الاديان يتوقعون أن يصبح عدد المسيحيين فيها 247 مليون نسمة عام 2025، لتصبح الصين أكبر دولة فيها مسيحيين في العالم. وقد أعلنت صحيفة رسمية نقلًا عن مؤسسة حكومية صينية أن عدد المسيحيين في الصين في ارتفاع مستمر، وتشير عدد من المنظمات الغير حكومية أن عدد المسيحيين في الصين يترواح بين 70 مليون إلى 150 مليون مسيحي، ويُشار إلى أنه يتحول 10 آلاف صيني إلى المسيحية يوميًا، وأن عدد كنائس البيوت أو ما تعرف بكنائس الصمت في ازدياد. لقد انتشرت المسيحية وتنتشر بالسيف، ولكنه ليس في يد المسيحيين وإنما على أعناقهم.